محمد بن علي الشوكاني

3542

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

مثل ذلك في الفرع ، وهو سائر الخيارات ، فمن فسخ ما اشتراه بنوع من أنواع الخيارات كان عليه إرجاع ما هو باق لديه من فوائده ، وضمان قيمة ما استهلكه كما يقتضيه القياس الصحيح بالجامع الذي كررنا ذكره . فإن قلت : لا عموم في حديث المصراة ، حتى يستدل به على سائر أنواع الخيارات . قلت : الأمر كذلك ، ولم ندع أنه عام ، بل قلنا : إنه حكم الأصل ، فكان للفرع مثله ، ولو كان الدليل عاما لم يحتج إلى القياس لشموله للفرع بنفسه من دون واسطة فيكون هذا الحكم الثابت في المصراة ثابتا في جميع الفروع ، وهي سائر الخيارات إلا ما دل الدليل على أن لفوائده حكما غير حكم الأصل ، وهو خيار العيب ، فإن الشارع قد أثبت فيه أن الخراج بالضمان فيكون ذلك خاصا به ، لأنه فرع من فروع الغرر ، فلا يرد إليه ما هو مماثل له في الفرعية ، بل يرد إلى الأصل الجامع ، ويثبت له حكمه ، ويكون ذلك الفرع الذي ورد في فوائده دليل يخصه خارجا عن حكم الأصل في مورد الدليل ، لأن القياس حينئذ يكون مصادما للنص ، وهو فاسد الاعتبار ، ولا يوجب هذا الدليل الوارد في بعض تفاصيل فرع من الفروع أن يكون ذلك الفرع خارجا عن كونه فرعا في غير مورد الدليل ، فتحرر من هذا أن الفوائد في كل نوع من أنواع الخيار بكون للبائع من غير فرق بين الأصلية والفرعية ، فما كان منها باقيا رجع بعينه ( 1 ) ، وما كان تالفا فقيمته . والتقدير بالمدة من ثلاثة أيام أو غيرها يرجع المجتهد فيه إلى اجتهاده ( 2 ) .

--> ( 1 ) انظر : " المغني " ( 6 / 217 - 220 ) . ( 2 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 6 / 220 ) : قالوا : فهذه الثلاثة قدرها الشارع لمعرفة التصرية فإنها لا تعرف قبل مضيها ؛ لأنها في اليوم الأول لبنها لبن التصرية ، وفي الثاني يجوز أن يكون لبنها قد نقص ، لتغير المكان واختلاف العلف ، وكذلك في الثالث . فإذا مضت الثلاثة استبانت التصرية وثبت الخيار على الفور . ولا يثبت بعد انقضائها . وقال أبو الخطاب : عندي متى ثبتت التصرية ، جاز له الرد ، قبل الثلاثة وبعدها ؛ لأنه تدليس يثبت الخيار ، فملك الرد به إذا تبينه ، كسائر التدليس . فعلى هذا يكون فائدة التقدير في الخبر بالثلاثة ؛ لأن الظاهر أنه لا يحصل العلم إلا بها ، فاعتبرها لحصول العلم ظاهرا ، فإن حصل العلم بها ، أو لم يحصل بها فالاعتبار به دونها ، كما في سائر التدليس . وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم التصرية ، ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها . وهو قول ابن المنذر وأبي حامد من أصحاب الشافعي ، وحكاه الشافعي نصا لظاهر حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة كلها ، وعلى قول القاضي لا يثبت الخيار في شيء منها ، وإنما يثبت عقبها ، قول أبي الخطاب يسوي بين الأيام وبين غيرها ، والعمل بالخبر أولى والقياس ما قال أبو الخطاب لأن الحكم كذلك في العيوب وسائر التدليس .